خطوة استراتيجية جديدة أقدمت عليها الولايات الأمريكية المتحدة، أعادت خلط الأوراق في المسرح العسكري العالمي، إذ وجهت واشنطن بوصلة قوتها البحرية الضاربة نحو الشرق الأوسط، معلنة سحب حاملة الطائرات الأحدث والأكثر فتكاً "يو إس إس جيرالد فورد" من سواحل فنزويلا، لتشق طريقها فوراً نحو مياه الخليج الدافئة.
هذا التحرك، الذي انفردت صحيفة "نيويورك تايمز" بكشف تفاصيله، لا يُقرأ عسكرياً على أنه مجرد إعادة انتشار روتيني، بل هو دفع بـ "القطعة الناقصة" إلى رقعة العمليات، تمهيداً لسيناريوهات هجومية محتملة ضد إيران، خاصة أن المحللين يصفون هذه البارجة بأنها أقوى ما شيدته الترسانة البحرية البشرية على الإطلاق، بقدرات شبحية ومفاعلين نوويين يمنحانها "نَفَساً" للإبحار عشرين عاماً دون توقف.
وبينما يتساءل الجميع عن سر تأخر الضربة الأمريكية رغم تصاعد دخان الأزمات، تأتي الإجابة من كواليس السياسة التي شرحتها الكاتبة نانسي يوسف وزميلتها فيفيان سلامة في مجلة "أتلانتك"، تحت عنوان معبر: "الدبلوماسية عندما تلتقي بفن عقد الصفقات". فالأمر لا يتعلق فقط بالجاهزية العسكرية، بل بمعادلات سياسية معقدة ظهرت جلياً في الزيارة الخاطفة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن.
لقد حملت زيارة الساعات الثلاثين دلالات على وجود شرخ في الرؤى؛ إذ خرج الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ليعلن عدم التوصل إلى اتفاق، مفضلاً مسار الدبلوماسية الخاصة به على الشروط الإضافية التي حاول نتنياهو فرضها. ويبدو أن سيد البيت الأبيض يريد هندسة التفاوض مع طهران على طريقته: "إما صفقة تنهي البرنامج النووي، أو عواقب كارثية"، رافضاً أن تُملى عليه الخطوات، وهو ما يفسر قراره بتحريك القطع البحرية بنفسه وقيادة المشهد، متجاوزاً رغبات الحلفاء في بعض التفاصيل، ومصراً على أن تكون "جيرالد فورد" هي رأس الحربة بدلاً من "جورج بوش"، في رسالة ردع صارمة تهدف لتأمين مضيق هرمز ومنع أي قرصنة بحرية.
استراتيجية ترامب الحالية تبدو استنساخاً لنهجه في الملف الفنزويلي.. تصعيد عسكري خانق يمهد لطاولة المفاوضات. هو يسعى لاكتمال الحشود قبل الدخول في "مرحلة الصمت" التي تسبق العاصفة، لكن تأخر ساعة الصفر يعود لحسابات دقيقة؛ فالجيش الأمريكي لم يكن بجاهزية تامة، وبنك الأهداف لم يكتمل، فضلاً عن غياب الغطاء الدولي من الحلفاء لشن ضربة مشتركة.
وعلى الضفة الأخرى، أثبتت طهران صلابة غير متوقعة أمام الرهان الأمريكي على "السقوط من الداخل". فالنظام الإيراني لم يتصدع، واحتوى الاحتجاجات بقبضة أمنية موحدة لم تشهد انشقاقات، مما وضع واشنطن أمام حقيقة مرة: الخيار العسكري قد يكون الممر الإجباري الوحيد المتبقي.
نحن الآن أمام مشهد يحبس الأنفاس وصول "جيرالد فورد" المتوقع خلال أسبوعين قد يتزامن مع نفاد المهلة التي منحها ترامب للدبلوماسية. وفي ظل إصرار إيران على بقاء النظام وتمسك واشنطن باجتثاث النووي، تبدو الحرب مسألة وقت، لكنها حرب محفوفة بالمخاطر، تخوضها الولايات المتحدة منفردة، وسط شكوك تحوم حول قدرة حتى هذا الحشد الجبار على إسقاط نظام متجذر، وأي خطأ في الحسابات قد يجر المنطقة -والأمريكيين أنفسهم- إلى كوارث لا تُحمد عقباها.