أستطيع القول إن الإنسان المعاصر يقف اليوم في حيرة ودهشة لا مثيل لهما وهو يحاول فك رموز وطلاسم عصية على الفهم، حيث تتصادم قناعاته العقائدية والروحية مع معطيات واقعه المادي.
هو يقرأ الآيات التي تربط فتح بركات السماء بتقوى القرى وإيمانها، مصداقاً لقوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)، لكنه يشاهد في المقابل قارات بأكملها شطبت فكرة الإله من دساتيرها، ومع ذلك تتنعم بالرخاء الاقتصادي والاستقرار المعيشي.
وهو يشاهد منذ سنوات طويلة، بل وقرأ حتى في كتب التاريخ، أن مجتمعات مؤمنة تئن تحت وطأة العوز وضنك العيش، وهي تتلو القرآن صباح مساء.
ولعل بعضكم يعرف من حزم الحقائب استعدادا للهروب نحو الجغرافيا التي يراها مرحومة ومتنعمة، ظناً منه أن تذكرة السفر هي ذاتها تذكرة الخلاص من عقوبات السماء.
إن ما ذكرت من مشاهدات بحاجة إلى فهم عميق للحقيقة التي تطرحها الفلسفة القرآنية، والتي لا تنظر للرزق والرفاهية كمعادلة حسابية صرفة، بل كمنظومة تربوية شديدة التعقيد. فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً بشكل عشوائي، بل تخضع لقوانين تكوينية صارمة أودعها الله تبارك وتعالى في هذا الوجود.
إن المجتمعات الغربية التي تدير ظهرها للغيب، لم تسرق الرخاء خلسة، بل انتزعته بامتثالها لسنن الله المادية في الأرض، من خلال إتقان العمل الجماعي، والإقبال عليه بشغف، وتنظيم المؤسسات، وإرساء قواعد العدالة النسبية بينهم. وهذه كلها أسباب تكوينية من يأخذ بها يحصد ثمارها حتماً، سواء كان في بيئة مؤمنة أو جاحدة، تماما كالشاهق الذي يُرمى منه شخصان أحدهما مؤمن والآخر كافر، فمصيرهما الموت الحتمي لأنهما لم يفهما فكرة الجاذبية. وقد أشار القرآن بوضوح إلى هذا العطاء المطرد بقوله تعالى: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً).
إن الله تبارك وتعالى لا يبخس جهد عامل. لكن هذا الرخاء المادي المفرط يخبئ خلفه وجها آخر في القاموس القرآني، وهو ما يعرف بـ "سنة الاستدراج".
إن فتح أبواب كل شيء للمنغمسين في الغفلة ليس تكريماً كما يظن بعضنا، بل هو تخدير يسلب من الإنسان ألم الذنب ليعوضه بلذة النعمة، حتى تتكلس فطرته تماماً، وهو ما يصوره النص القرآني بدقة مرعبة: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون).
دققوا في الانهيار النفسي، والتمزق الأسري، ونسب الانتحار المرتفعة في أوساط تلك المجتمعات المرفهة مادياً، والتي لا يمكن فهمها إلا في سياق الآية الكريمة: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا). فالضنك هنا هو ضيق الروح واختناقها وانعدام الغاية، وإن اتسعت القصور وتضخمت الأرصدة البنكية ودامت المناصب.
هنا لابد أن يسقط الوهم الساذج الذي يراود بعض المؤمنين بأن تغيير الجغرافيا كفيل بإعفائهم من التبعات الروحية لذنوبهم، ظناً منهم أنهم قادرون على الإفلات من قبضة التدبير الإلهي، متناسين الحقيقة القرآنية القائلة: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان). فمن يحمل في صدره عقيدة مؤمنة ويقرر السفر إلى بيئة علمانية أو إلحادية بحثاً عن رزق لم تمحقه العقوبة، يرتكب مغالطة كبرى. فالسنن الإلهية تلاحق القلوب، ولا تعترف بحدود القارات.
إن الإنسان المؤمن في أي بقعة من الأرض يبقى تحت مجهر التربية الإلهية، إذا زلت قدمه، تدخلت العناية الربانية فوراً لتوقظه بعقوبة دنيوية عاجلة، كنقص في مال أو تعسر في حاجة، ليعود إلى سراطه. أما إذا ارتحل وارتكب الخطيئة في مهجره ورأى أن ماله يزداد ولا يعاقب، فتلك هي الكارثة الكبرى، لأن ذلك يعني أن السماء قد سحبت منه حصانة التربية والتطهير، وألقته في بئر الاستدراج المظلم، وتركت قلبه يختنق في بيئة تنكر الغيب، ليعيش غربة الروح التي هي أشد فتكا من فقر المال.
وبالتجربة العملية، لا يمثل الرزق في حقيقته مجرد أرقام، بل هو سكينة واطمئنان تتنزل على القلب، وبركة في العمر والعائلة. وإن حزم الحقائب نحو الأخذ بأسباب العلم والعمل هو أمر محمود ومن سنن إعمار الأرض، ولكن توهم القدرة على الهروب من حاكمية الله وقوانينه الروحية هو محض سراب. فالطريق إلى الرخاء الحقيقي لا يمر عبر الهروب من السماء، بل عبر إصلاح ما أفسدته أيدينا في الأرض، وتطهير النوايا، وإدراك أن مفاتيح الخزائن معلقة بطهارة القلوب قبل أن تكون مرهونة بذكاء العقول والله المستعان.